الخميس، 6 نوفمبر 2014

بين الوجه وضباء ودار الأشباح (2)

هذه الرحلات والذكريات من كتاب (صدى السنين) للأستاذ عبدالله بوقس، حيث قام برحلات للمدن الحجازية الشمالية في السبعينات الهجرية، للإشراف وكتابة التقارير عن حالة التعليم .

"بين الوجه وضباء ودار الأشباح" (2)  -  بقلم/ عبدالله بوقس

بين مدينة "الوجه" و"ضباء" مائة وخمسون كيلو مترا، وقد توخينا في مسيرتنا السهل الساحلي، وإن كان لا يخلو من متاعب في الأودية، وأشهرها ( وادي سلمى وعنتر)، حيث كانت الإطارات تغرس في الرمال، وكانت الصاجات الحديد المستطيلة وسيلتنا للخروج من هذه الرمال، كما أن الطريق لا يخلو من آثار لبعض القلاع والبرك التي كان يستعملها ركب الحجيج المصري..

توجهنا حال دخولنا (ضباء) إلى دار الضيافة، وكالعادة توافد مدير المدرسة وبعض الأساتذة لزيارتنا، ولكني لمست همسا متبادلا بين مدير المدرسة وبعض المدرسين، وكان العم حسن سائقنا المقدام مصابا بحب الاستطلاع، استدرج أحد المدرسين ليعرف منه سر الهمس المتبادل بينهم .. فقيل له أن هذه الدار يسكنها الجان، وما دخلها أحد إلا أصابه مس من الجنون .. وشعرت بملامح وجهه قد تبدلت وآثار خوف وفزع بدا عليه، قلت ما بك يا عم حسن ؟ قال: الدار مسكونة والأساتذة خجلوا من مصارحتك بذلك .. وضحكت وقلت له إنها إشاعة، وربما كان قصدهم تخويفنا حتى نغادر ضباء على وجه السرعة.

وفي المساء بينما كنا نتناول وجبة العشاء، لفت نظرنا خروج فأرين ضخمين من الغرفة المجاورة، وما أن شاهدهم القط الذي كان بداخل الغرفة حتى انسحب خائفا رغم ضخامته، وكنت أتوقع أن يفترسهما ولكن خاب ظني فيه وتعجبنا، وقام الطباخ "عرفه" بمطاردة الفأرين وسد المكان الذي خرجا منه .. وحين اقترب وقت النوم استأذن مني العم حسن للخروج من الدار ومعاونه قائلا: بصراحة أنا خائف، وما أن جاوز عتبة الدار حتى صاح صارخا "إلحقوني .. مسكوني" وأقبلت عليه ووجدت أن قدمه زلت وخرقت السقف لثقل جسمه، وضحكنا جميعا وتركنا العم حسن مع معاونه يذهب للنوم في الخلاء .

والواقع أن الدار كئيبة وجوها يشعرك بالخوف، ومع هذا استعنت بالله وحصنت نقسي بقراءة بعض السور من القرآن والأدعية المعروفة، وفي الصباح وقبل تناولنا الإفطار قمت وأشعلت "الموقد" لكي أسخن الماء عليه، وأحضر لي "عرفة" الطباخ جالونين من الماء، وبعد أن تم تسخين المياه رأيت أن استحم في إحدى الغرف لأن الحمام كان وسخا وقذرا، كانت أرض الغرفة مستوية واستدرت استعداد للاستحمام وإذا بالماء المغلي والبارد ينساب تحت قدمي، والتفت فإذا جالونا الماء البارد والمغلي قد فرغا من الماء، وكأن يدا خفية فعلت ذلك، فذعرت واندفعت بقوة نحو الباب لأن الأرض مستوية، وارتديت ملابسي واتجهت فورا لدار الإمارة وطلبت من أميرها نقلي لدار أخرى، وعلق العم حسن قائلا: هل صدقت أن الأمر لم يكن إشاعة كما كنت تتصور بل حقيقة.

في ضباء لم يكن سوى مدرسة ابتدائية واحدة، إلا أنني أثناء حضوري حصة أحد المتعاقدين لفت نظري أن تحضير دروسه كان مكتوب بخط جميل وبأسلوب جيد، لكن خطه على السبورة رديء وأسلوبه سيء وكثير الأخطاء، وبعد انتهاء الدرس طلبت من مدير المدرسة احضاره لمناقشته، وفوجئت بالأستاذ يجهش بالبكاء واعترف أن تعليمه متوسط وأن شهادته الجامعية التي قدمها للمعارف ليست له بل لأخيه، وقد زور الإسم الأول منها، وهو في الأصل حلاق وليس مدرسا .. أما التحضير فهو إعداد زميل مدرس يتقاضى منه مقابل إعداد دروسه 30% من راتبه، وستكملت التحقيق مع الاخر وطلبت إلغاء عقديهما واستبدالهما بمدرسين اخرين.
وحتى لا تتعطل الفصول التي خلت من هذين المدرسين قمت بضم بعض الفصول، وتنظيم الجدول العام الدراسي حتى تنتظم الدراسة في كافة الفصول الدراسية.

يتبع..

الأربعاء، 5 نوفمبر 2014

بين أملج والوجه (1)

هذه الرحلات والذكريات من كتاب (صدى السنين) للأستاذ عبدالله بوقس ، حيث قام برحلات للمدن الحجازية الشمالية في السبعينات الهجرية، للإشراف وكتابة التقارير عن حالة التعليم.

"بين أملج والوجه "     -    بقلم/ عبدالله بوقس

بين أملج والوجه الرحلة التالية من زيارتنا التفتيشية مائة واثنان وسبعون كيلو مترا، وكان الطريق الذي نسلكه له شهرته التاريخية كمحطات هامة للحجاج، ذكر اسمها في العديد من كتب الرحالة الذين جابوا هذا الطريق مع قوافل الحج (كالحوراء) التي تقع إلى الشمال من أملج، وتعرف حاليا باسم الحنك و (أكرا) الذي أطلق على موضعه بئر القصير على وادي الحمض أشهر أودية الحجاز .

طرق عسيرة كان لابد من عبورها ما بين أودية وتلال، وتبرز لنا مجموعة من الجزر على شكل قوس جزيرة يقال لها (شيبارا) .
يقول المؤرخ سيد عبدالمجيد بكر أن اسم الوجه اشتق من (المواجهة) والمقصود مواجهة ركب الحجيج. وتقع المدينة على الساحل مرتفعة عن سطح البحر. وقدر عدد سكانها وفق إحصائية 1394هـ، ( 145000 نسمة) وكانت تعتبر من المحطات الهامة للحجيج، ويطلق عليها أهل البلد (لبنان الساحل) وقد كانت لها تجارتها مع السويس بالنسبة للمنتجات التي اشتهرت بها، كالفحم النباتي والسمن والصوف والأسماك. وأشهر عوائل مدينة الوجه ( آل بديوي) كان منهم مدير المدرسة ومدرس، عدا بعض الأفراد العاملين في دوائر أخرى. وقد أعجبتني مدينة الوجه وحق لأهلها تسميتها بلبنان الساحل، لجودة موقعها المرتفع عن سطح البحر ونسيمها العليل. وكان مسكني في دار يطل على البحر مباشرة، ويحلو لي الوقوف على شاطئها لرؤية قرص الشمس وهو يختفي تدريجيا في مياه البحر، وكنت أتمنى لو كان معي آلة تصوير أو كنت من الفنانين لرسمت أعظم لوحة فنية ... في هذه المدينة تعرفت بالدكتور سعيد شاهين، وقد سعدت بمعرفته وصداقته التي امتدت حتى وقتنا الحاضر، وازدادت عمقا في المحبة والوفاء .. وإني أغمط هذا الصديق العزيز على عمق مودته وأخوته، ويستحيل أن تمل حديثه وظرف قفشاته ونكاته الحلوة ... وهو طبيب ماهر ترتاح لعلاجه وأدويته، وحين كنت مدير عام للتعليم في جدة، كان لدينا وحدة صحية علاجية تضم مجموعة من التخصصات الطبية، ومع هذا كان أخي الدكتور سعيد شاهين، الطبيب الذي أرتاح لعلاجه وكان يعتبر طبيب الأسرة ...

أمضيت في مدينة الوجه خمسة أيام، لم يفارقني فيها أخي سعيد وما أن ينتهي الدوام الرسمي حتى نذهب معا في رحلة صيد برية لصيد الأرانب البرية والحمام، أما الغزلان فكنت أتحاشاها خوفا من تهور صديقي الدكتور سعيد ومطاردته العنيفة، التي قد تسبب لنا متاعب، أما هوايته في صيد الأسمك لم تكن في حاجة إلى قارب أو (لنش)، يكغي أن نقف على الشاطئ نلقي بالسنارة فنلتقط سمكة أو قرشا، وما أكثر القروش البحرية التي كانت تضايق هواة الصيد، ولابد من سحبها على الشاطئ لإخراج السنارة منها ثم تركها على الشاطئ، وفي إحدى الليالي كنا نصطاد على ضوء القمر وإذا بقرش هائل يمسك بسنارة أخي سعيد، وظل في عراك عنيف معه بين شد ورخي، ولمحت أخي سعيد قاب قوسين أو أدنى من أن تنزلق قدمه إلى الماء ليدخل في صراع مع وحش البحر، فجذبته بكل قوتي تجاه الشاطئ، لأن الصراع مع مثل هذا الوحش البحري داخل مياه البحر يزيده قوة وصلابة، وبعد أن أفاق أخي سعيد من هول الصدمة قال: أتحسبني خائفا منه لكنه لن يفلت مني للمرة الثانية .

ما أحلى صيد البحر وأجمله وأيسره وأغلاه (الاستاكوزا) ولا أدري ما اسمها باللغة العربية، كنا نطاردها حين تخرج على الشاطئ أو بالقرب منه، لنغرس فيها أرماحا مدببة الرأس ثم نقوم بأكلها، وبعض الأهالي يحتفظ بها داخل أكياس لبيعها على قادة الطيران الذين يهبطون بالطائرات في الوجه لتموين طائراتهم بالوقود ...

وأهل الوجه خبيرون بطبخ صيادية السمك، وإن كان ينافسهم في هذا أهل رابغ، وإن كنت أعترف أن صيادية الوجه أحسن مذاقا للبهارات التي تستعمل في إعداد الصيادية مع ما لذ وطاب من أنواع السمك الأخرى، وأخشى ألا تغضب صراحتي أصدقائي الأوفياء من أهل رابغ.

وقد ذكر المؤرخ محمد لبيب البتنوني في كتابه الرحلة الحجازية أن الوجه قرية على خط عرض 26 درجه و14 دقيقة وخط طول 36 درجة و37 دقيقة، وبها نحو أربعين بيتا، وعدد أهلها لا يزيد عن خمسمائة شخص، ويشرف على القرية تلة من ورائها عليها قلعة حصينة، وبها ثلاث مساجد يقصدها في أيام الجمعة كثير من العربان الذين يسكنون في ضواحيها، وأثناء إقامتي بها كان أخي الدكتور سعيد يزودني بماء عذب، لأن مياه الصهاريج التي تخزن فيها مياه السيول لم تكن صافية والشاي يحتاج لماء عذب وصافي حتى يستطاب طعمه ويعجبك لونه الأحمر القاني.

كنت أود لو طال بي المقام في مدينة الوجه، لحسن وفاء وكرم الصديق دكتور سعيد شاهين، لكن الرحلة طويلة وأمامي مدن كثيرة لابد من أن أفتش على مدارسها وفق برنامج رحلتي، واستأذنت صديقي دكتور سعيد مودعا، وزودني بمجموعة من الأدوية وبعض الأرزاق، كالعدس الصعيدي الممتاز الذي يستورد من مصر والسمن البري وبعض الأسماك المقددة، ومضيت لأستعد للرحلة التالية (ضباء).

يتبع..

الجمعة، 31 أكتوبر 2014

قصيدة "يا مُعزف الحب" للشاعر طاهر زمخشري

قصيدة "يا مُعزف الحب" كتبها الشاعر طاهر زمخشري في الفنان الكبير الأستاذ طلال مداح .. رحمهما الله جميعا

يا مُعزف الحب إن الروض مزدهر
               فطاب فيه لمن هاموا بك السـمر

طلال أنت وما في الأيك شـاديـة
               إلا وساجــلــــها في كفك الوتر

وكل جرح لما أعطيت من نغــــم
               عالجــته فمحا إيلامه الــقــــدر

فأنت قيثارة إن أرسـلــت نغـمـا
                في كل نافذة من وقــعــة اثـر

فكم شدوت بنار البعد فابـتـردت
                وكم لهيب الهوى بالرجع يستعـر

وأنت من نعم المولى ونـائـلهــا
               قد أنتشـى بنداه السمع والبـصر

فان تغيبت عنا خـــلــف غــائمة
               خلف السحائب كم قد غيب القمر

وعدت بالبسمة الجذلى تطوف بنا
             أحلـى روافدها مـن ثغرك الـغرر

وفي جوانــحها الأصداء سائــحة
             تثير فيـنا هـــوى قد كاد يــندثر

وفي الترقب أجفان مــقــرحــة
              داوى جراحاتـهـا ما شاعه الخبر

فقـد طـربـنا بصدق فـي روايتـه
             لما أهلت بنور الطلعـة الـصـورة

وكل خافقة فينا قد أنـــتعــشـت
          لما استراح إلى مجلى السنا النظر

يا مُعزف الحب أحلام الهوى رقصت
           أطيافها وهي للألحان تـنـتــظــر

اعد إليها الهوى إن النشيد بكـى
            وسوف يضحكه تـغـريدك الـعطر

فأنت أنت لمن يهـــــواك أغــنية
          تسري فيطرب من ترديدها البشر

الأربعاء، 29 أكتوبر 2014

بقايا أمنية - الشاعر فاروق جويدة

مازال في قلبي بقايا .. أمنية
أن نلتقي يوماً ويجمعنا .. الربيع
أن تنتهي أحزاننا
أن تجمع الأقدار يوماً شملنا
فأنا ببعدك أختنق
لم يبقى في عمري سوى
أشباح ذكرى تحترق
أيامي الحائرة تذوب مع الليالي المسرعة
وتضيع أحلامي على درب السنين الضائعة
بالرغم من هذا أحبك مثلما كنا .. وأكثر
مازال في قلبي.... بقايا أمنية
أن يجمع الأحباب درب
تاه منا .. من سنين
القلب يا دنياي كم يشقى
وكم يشقى الحنين
يا دربنا الخالي لعلك تذكر أشواقنا
في ضوء القمر
قد جفت الأزهار فيك
وتبعثرت فوق أكف القدر ..
عصفورنا الحيران مات .. من السهر
قد ضاق بالأحزان بعدك .. فانتحر
بالرغم من هذا
أحبك مثلما كنا .. وأكثر
في كل يوم تكبر الأشواق في أعماقنا..
في كل يوم ننسج الأحلام من أحزاننا..
يوماَ ستجمعنا الليالي مثلما كنا ..
فأعود أنشد للهوى ألحاني
وعلى جبينك تنتهي أحزاني..
ونعود نذكر أمسيات ماضية
وأقول في عينيك أعذب أغنية
قطع الزمان رنينها فتوقفت
وغدت بقايا أمنية
أواه يا قلبي ..
بقايا أمنية

الثلاثاء، 28 أكتوبر 2014

وكم صار عمر الضفائر - عبدالله الصيخان

( وكم صار عمر الضفائر )  -  عبدالله الصيخان

بعينيك كانت تذوب الحكايات..
يلهو المساء.. وتغفو البيادر
بعينيك كانت تغرد أحلام شبابنا
وكانت تغني الربابة ميلاد شاعر
بعينيك كنتِ عند الإياب بــ (مريولك) المدرسي الطويل
تنادينني
لأحمل منك الدفاتر
وكنا نهاجر
في الدرب كنا نهاجر
طفلين ما ضمنا واقع
لنرسم من حلمنا والخيال تصاوير حاضر
متى عرسنا؟
كان مني السؤال
ويأتيني منك الجواب
غداً...
حين تكبر هذي الضفائر

* * *

اقول وقد ضمك عن عيوني الخمار
واصبح قصرك
تحميه هذي العساكر
وأصبحت تهوين جمع القلوب
وتهوين جمع الجواهر
وأصبحت سوقاً لعرض المشاعر :
أيا زينة الحي
أين الضفائر
وكم صار عمر الضفائر؟
عرفت أخيراً
مقصُ الوصيفة -عجلىً- طواها
فأضحت ترانيم شاعر .

ديوان [ الغناء على أبواب تيماء ] .

الأحد، 26 أكتوبر 2014

المواقع الأثرية بمحافظة الوجه

( المواقع الأثرية بمنطقة الوجه )  د. علي إبراهيم غبان

تقع منطقة الوجه ضمن ما يعرف عند الباحثين باسم أرض مدين، وقد كانت في عصور ما قبل الإسلام جزءا من أراضي الدولة النبطية. ثم سكنتها منذ العصر الجاهلي وحتى يومنا هذا قبيلة بَلِيّ القضاعية. وقد أدى استمرار الاستيطان البشري في هذه المنطقة إلى وجود عدد كبير من المواقع الأثرية فيها: بعضها من عصور ما قبل التاريخ وأكثرها من العصور التاريخية السابقة للإسلام والإسلامية.
فبالنسبة لمواقع ما قبل التاريخ فإن ما سجل منها في المنطقة الواقعة بين وادي الحمض جنوبا، ووادي عنتر شمالا، وواحة بدا شرقا يزيد عن الثمانية مواقع، معظمها عبارة عن منشآت دائرية منعزلة أو  في مجموعات عنقودية، وبعضها يأخذ شكلا مستطيلا أو مثلثا، إلا أنه لم يعثر في أغلبها على قطع أثرية أو أدوات حجرية يسهل تأريخها. ومن هذه المواقع موقعان في وادي المياه وموقعان قرب وادي زاعم وأربعة أخرى على الطريق المؤدية إلى [قرية] أبي القزاز .
أما المواقع الأثرية التي ترجع إلى عصور تاريخية سابقة للإسلام فهي نوعان : مواقع نقوش ورسوم صخرية ومواقع استيطان محدود بها منشآت بنائية. وأشهر مواقع النوع الأول الموقع الذي يوجد في منطقة الزريب، فهو يضم عشرات النقوش الصخرية بالخط الذي يطلق عليه اسم الخط الثمودي، تجاورها في غالب الأحيان رسوم تجريدية بسيطة وصغيرة الحجم لجمال أو أشخاص في أوضاع مختلفة. ومن النقوش الثمودية حول الوجه أيضا : موقع البير، ويوجد فيه أربعة نقوش ثمودية على الصخور القريبة من بئر المرحوم الشيخ مصطفى بديوي. كذلك توجد نقوش ثمودية في وادي كبرة وفي وادي العرجا وفي واحة بدا .
أما مواقع النوع الثاني فإن أهمها على الإطلاق موقعي القصير وكركمة. ويقع موقع القصير على بعد 45 كم جنوب مدينة الوجه قرب مصب وادي الحمض. وهو عبارة عن بقايا معبد نبطي الطراز بني من حجر المرو المشذب، ويظهر منه من بين الرمال كرانيش تزين مداميك الجدران، وبقايا أعمدة بديعة الصنع. وينتشر حول هذا الأثر المتهدم كثير من قطع الفخار الروماني والنبطي. وأما موقع كركمة فهو عبارة عن مرسى قديم وبقايا ميناء يرجع إلى عصر الأنباط، واعتقد أن هذا الميناء هو ميناء أكرا الذي تحدثت عنه المصادر الكلاسيكية في احداث القرن الأول قبل الميلاد. ويمكن أن يضاف إلى موقعي القصير وكركمة بعض مواقع الاستيطان التعديني المنتشرة في الأودية الواقعة شرق مدينة الوجه، والتي ربما يرجع بعضها إلى عصور سابقة للإسلام، حيث أن هذه المواقع لم تفحص جميعها فحصا دقيقا لتأكيد هويتها. أما فيما يتعلق بمرسى الوجه فليست لدينا أية دلائل أو بقايا أثرية من التلال الرسوبية المطلة عليه ترجع إلى عصور تاريخية أبعد من العصر العثماني، إلا أننا لا نستبعد وجود آثار قديمة سابقة للإسلام أو إسلامية مبكرة في منطقته تحت مباني بلدة الوجه القديمة، التي بنيت على أنسب المواقع الصالحة للتعمير حول هذا المرسى، والجدير بالذكر هنا أن أول من قال بهذا الاستنتاج هو الرحالة الانجليزي برتون الذي زار الوجه عام 1295هـ/ 1878م. وقد ظن عدد من الباحثين أن ميناء الوجه يمكن أن يكون ميناء أكرا (Egra) الوارد في جغرافية سترابون، عند الحديث عن عودة جنود القائد الروماني إيليوس غالوس إلى مصر بعد فشل حملته العسكرية التي قام بها عام 25/24 قبل الميلاد إلى الجزيرة العربية، وعللوا ذلك بأن الوجه كانت فرضة على البحر لمدينة الحجر الواقعة في وادي القرى، وأنها كانت تحمل اسمها. وعلى أية حال فقد أثبتت أبحاثي الأخيرة في المنطقة أن موقع أكرا النبطي يقع في مرسى كركمة وليس الوجه.
وأما بالنسبة للمواقع الأثرية التي ترجع إلى الفترة الإسلامية في منطقة الوجه فإنها أكثر عددا مما سبق ذكره ويمكن حصر أهمها فيما يلي، مبتدئين بذكر المواقع التي تقع إلى الجنوب من مدينة الوجه ثم التي تقع في شمالها ثم التي تقع إلى الشرق منها :

* آثار أكرى واليعبوب : وموقع أكرى يختلف عن ميناء أكرا النبطي الذي سبقت الإشارة إليه، فهو محطة على طريق الحج المصري، تقع بعيدا عن البحر على أحد روافد وادي الحمض، وتوجد بها بقايا بركة بنيت على طريق الحج في العصر العثماني، وقد كانت أكرى أولى محطات الطريق بعد الوجه في إتجاه السائر إلى مكة. أما اليعبوب فهو اسم مكان يقع قريبا من البحر بالقرب من مركز كركمة، ويرد ذكر اليعبوب في المصادر ابتداء من العصر المملوكي، وكانت به أحساء ماء تنزل عليها قافلة الحجاج. وقد اندثرت اليوم كل هذه الأحساء إلا أنه يمكن التعرف على موضع المنزلة حيث يوجد بها مجموعة من القبور القديمة .

* آثار مرسى الوجه : وهي في مجموعها عبارة عن المباني التي أنشئت في بلدة الوجه القديمة، ويرجع معظمها إلى القرن الثالث عشر وبداية القرن الرابع عشر الهجري( 20/19م ). وهذه المباني مبنية من الحجر الجيري على طراز عمارة حوض البحر الأحمر. وأهم المباني التاريخية في الوجه القديمة ما يلي : مسجد الأشراف، ومسجد البوق، ومسجد البديوي، والزاوية السنوسية، والسوق القديم، وما تبقى من وكالاته، والقلعة التركية، وباب البحر، وجزء من سور مدينة الوجه القديم، وبيت قائم مقام الوجه (دار الإمارة القديم)، وثلاثة صهاريج، وموقع قلعة بلاش، وأرصفة الميناء القديم، وفنار الوجه، بالإضافة إلى عدد من الدور والمساكن القديمة في حي الساحل وحي القرفاء .

* آثار وادي زاعم : ووادي زاعم يقطع على بعد 7 كم شمال الوجه، وفي أعلاه توجد بئر مطوية بالحجار تنسب للشريف هزاع العبدلي أحد المسؤولين إبان حكم الأشراف للمنطقة، كذلك توجد في منطقة زاعم وقبقاب بئران من العصر المملوكي، حفرهما الأمير شاهين الطويل سنة 834 هـ/1431م. وتوجد أيضا في الرس القريب من زاعم بقايا بناء مكون من ساحة وغرفتين .

* آثار وادي عنتر : ويقع هذا الوادي على بعد 45 كم شمال الوجه، ويمر به الطريق المعبد المؤدي إلى ضباء، وبه آثار لطريق الحج يرجع تاريخها إلى العصر العثماني، وتتكون هذه الآثار من بركتين وأربع آبار جميعها مبنية بالحجر الجيري. وعلى البحر عند مصب وادي عنتر يوجد موقع العويند وبه قرية أثرية صغيرة مسورة مساحتها 200 × 100م ، ترتفع أطلالها نحو 2م عن سطح الأرض المحيطة بها، وتدل الملتقطات السطحية المنتشرة عليها من فخار وحجر صابوني وزجاج وخرز على أنها ترجع إلى العصرين العباسي والفاطمي. وقد كانت العويند فرضة وميناء لوادي القرى، وربما وجدت آثار سابقة للإسلام تحت آثار الموقع الإسلامي، ويرى الدكتور عبدالرحمن الأنصاري أن اسم العويند اسم قديم يرجع إلى عصور سابقة للإسلام، وأنه يمكن أن تكون مكونا من الكلمتين ( عون - ود ) : عون مصدر للفعل أعان وود اسم الصنم المعروف الذي ورد ذكره في القرآن الكريم .

* آثار واحة بدا : وتقع واحة بدا على بعد 70 كم شرقي مدينة الوجه، وقد كانت في الخمسة قرون الهجرية الأولى محطة على طريق الحج المصري الداخلي، وبها بركة قديمة وآثار قنوات تمتد من عين بالواحة إلى البركة، ويجاور ذلك موقع أثري لقرية صغيرة تدل ظواهره السطحية على أنه يرجع إلى الفترة الأموية والعباسية، وبالقرب من الموقع يوجد جبل شهيبة بدا الشمالية، وعلى صخورة عثرنا على ما يزيد على ثلاثمائة نقش كوفي مبكر نقشها الحجاج الذين كانوا يمرون بهذه الواحة وهم في الطريق إلى المدينة .

* مواقع التعدين في أم قريات ووادي المياه ووادي العرجا وأعلى وادي عنتر، ويزيد عددها على اثنى عشر موقعا : بعضها بنيت بقربه مستوطنة صغيرة والبعض الآخر عبارة عن مناجم، ومعظمها كان يستخرج منه الذهب .

* آثار وادي الزريب وتشمل خمسة مواقع أثرية هي :
- مستوطنة حويطات التعدينية.
- مستوطنة المتقابل التعدينية.
- ثميلة الزريب والكتابات الكوفية المنقوشة على الصخور المجاورة لها.
- قلعة الزريب والبرك والآبار المحيطة بها .
- آبار وادي سِبَيّل .

ويبلغ عدد الآبار القديمة في وادي الزريب سبع عشرة بئرا منها ست عشرة بئرا سلطانية، ونعني بذلك البئر التي حفرت وطويت على نفقة السلطنة المملوكية أو السلطنة العثمانية أو في عهد حكمها للمنطقة. أما البئر السابعة عشرة فقد حفرت في بداية العهد السعودي .

مصدر البحث :
كتاب [ بحوث في التاريخ والآثار ] ص 20 إلى ص 28 .
تأليف الدكتور /  علي إبراهيم غبان .

السبت، 25 أكتوبر 2014

قرية بدا .. " علاقة بدا بيعقوب النبي عليه السلام"

هذا البحث عن قرية ( بدا ) التابعة لمحافظة الوجه . تبوك

" علاقة بدا بيعقوب النبي عليه السلام "

بقلم / د.حياة عبدالله الكلابي

ورد اسم بدا في بعض المصادر الجغرافية مضافا إلى اسم يعقوب، وأول من ذكرها بمسمى بدا يعقوب من الجغرافيين الذين اطلعنا على كتبهم، المقدسي (ت 380 هـ)، وقد وردت عنده بهذا الاسم في أربعة مواضع من كتابه ( أحسن التقاسيم )، لم يتحدث في أي منها عن هوية يعقوب الذي نسب إليه بدا، وبعد المقدسي ذكرت بدا بمسمى بدا يعقوب عند البكري في كتابه ( الممالك والمسالك ) دون أن يوضح هو أيضا هوية يعقوب، وأما ياقوت الحموي فقد ذكر اسم بدا يعقوب في موضعين من معجمه، أشار في أحدهما إلى أنها قرية يعقوب النبي عليه السلام، ومنها سار إلى ابنه يوسف عليه السلام في مصر .
كما وردت بدا منسوبة إلى يعقوب عليه السلام عند  القزويني الذي قال في معرض حديثه عن بدا : ( وهي قرية يعقوب عليه السلام، كان بها مسكنه في أيام فراق يوسف عليه السلام، ويقال لهذه القرية بيت الأحزان لأن يعقوب كان بها حزينا مدة طويلة، منها سار إلى مصر، إلى يوسف عليه السلام، فجاءت الفرنج في زمن صلاح الدين يوسف بن أيوب عمروها وجعلوا لها حصنا حصينا، قال بعض الشعراء :
هلاك فرنج أتى عاجلا
              وقد آن تكسير صلبانها

ولو لم يكن حينها قد أتى
              لما عمرت بيت أحزانها

وكان الأمر كما قال الشاعر، قصدها الملك صلاح الدين وفتحها وخربها وكسر صلبانها ). انتهى

ويبدو بناء على ما تقدم أن اسم بدا يعقوب ظهر في نهاية القرن الرابع الهجري ( العاشر الميلادي ) حيث  لم نجده في كتابات الجغرافيين المسلمين الذين سبقوا المقدسي وعاشوا في القرن الثالث، والنصف الأول من القرن الرابع الهجري، كالهمداني، والحربي، واليعقوبي، ابن خرداذبه، وابن رستة، وقدامة، والاصخري، وابن حوقل، وجميعهم ذكروا اسم بدا مفردا دون إضافة إلى يعقوب، ويلاحظ أن المقدسي والبكري كليهما لم يحددا شخصية يعقوب الذي نسبا إليه بدا، وأن ياقوت الحموي الذي توفي في بداية القرن السابع الهجري هو أول من قرنها بيعقوب النبي عليه السلام، وعنه نقل القزويني الذي توفي في نهاية القرن السابع. وربما كان يعقوب الذي ذكره المقدسي شخصية محلية لعبت دورا مهما في بدا في نهاية القرن الرابع الهجري ونسبت إليها البلدة، ونسبة بلدة إلى شحصية محلية لها أمثلة كثيرة من تلك الفترة، نذكر منها حلي بن يعقوب الواقعة قرب السرين، ومعدن القرشي الواقع على درب زبيدة (النقرة). والقول بأن يعقوب الذي نسبت إليه بدا هو يعقوب النبي عليه السلام يحتمل أن يكون إضافة أضافها ياقوت الحموي في محاولة منه لتحديد هوية يعقوب بدا، وربما اعتمد على أن بعض الجغرافيين يجعل بدا موضعا قرب الشام، وأن اسم يعقوب إذا أطلق دون تحديد انصرف إلى يعقوب النبي عليه السلام، والمشهور أن يعقوب عليه السلام كان يسكن بأرض كنعان أي أرض فلسطين، وكان له مذبح في بيت إيل، وهي قرية تقع على بعد 3 كيلو مترات من رام الله، وعلى بعد 17 كيلو مترا إلى الشمال من القدس، وتعرف اليوم باسم "بيتين"، ونصت على ذلك التوراة في سفر التكوين والدراسات التي تناولت جغرافية فلسطين وآثارها.
وأما قول القزويني بأن بدا يقال لها بيت الأحزان لأن يعقوب كان بها حزينا مدة طويلة، وأن الفرنج عمروها زمن صلاح الدين وجعلوا لها حصنا، وأن صلاح الدين فتحها وخربها فهو غير صحيح، فقوله لا ينطبق على بدا، لأن بيت الأحزان التي أشار إليها القزويني هي قرية "بيتين" التي ذكرنها أعلاه، فقد أشار إلي قصتها أبو شامة المقدسي الشافعي في كتابه ( الروضتين في أخبار الدولتين ) وذكر أن الفرنج عمروا حصنا في بيت الأحزان على المشهد اليعقوبي في سنة أربعة وسبعين وخمسمائة، وأن صلاح الدين فتح هذا الحصن وخربه ونقض بناءه، وأن الشعراء هنأوا السلطان بفتح هذا الحصن ومن ذلك ما أنشده نشو الدولة أحمد بن نقادة الدمشقي من جملة مدائحه :

هلاك الفرنج أتى عاجلا
             وقد آن تكسير صلبانها

ولو لم يكن قد دنا حتفها
             لما عمرت بيت أحزانها

وهذين البيتين وردا في نص القزويني، مما يدل على أن القزويني خلط بين بيت الأحزان التي فتحها صلاح الدين وبين بدا، لاعتقاده بأن بدا كانت سكنا ليعقوب عليه السلام.
بقي أن نشير إلى أن معظم المصادر التي كتبت بعد القرن السابع الهجري ذكرت اسم بدا مجردا من الإضافة إلى يعقوب، وذلك مثل ابن منظور (ت711 هـ)، والمقريزي (ت 845 هـ)، والسمهودي (ت911 هـ)، والجزيري (ت 976 هـ)، ويستثنى من ذلك القلقشندي (ت821 هـ)، الذي سمها بدا يعقوب نقلا عن مصادر قديمة وذكر أنه لا يعلم حقيقة مكانها .

مصدر البحث :
كتاب [ الآثار الإسلامية ببلدة بدا ] ص 39 ، 40 .
تأليف د. حياة عبدالله الكلابي .